محمد هادي معرفة
176
شبهات وردود حول القرآن الكريم
ينامون في « زنزانات » مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران ، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزنزانة الواحدة - بأصفادهم - فلا يتاح لهم حتّى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات . ذلك كان الرقيق في العالم الروماني . ولا نحتاج أن نقول شيئا عن الوضع القانوني للرقيق عندئذ ، وعن حق السيّد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حقّ الشكوى ، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها ، فذلك لغو بعد كلّ الذي سردناه . ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها ، تختلف كثيرا عمّا ذكرنا من حيث إهدار إنسانيّة الرقيق إهدارا كاملا ، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقّا مقابلها ، وإن كانت تختلف فيما بينها ( الرومان والفرس والهند ) قليلا أو كثيرا في مدى قسوتها وبشاعتها . وإذا كان هذا شأن الرقيق في بلاد متحضّرة ، فكيف يا ترى شأنه في أوساط متأخّرة ، في مثل الجزيرة المتوغّلة في جهالة العماء والغيّ والفساد . كان يعيش أحدهم على حساب دمار الآخرين وكان ذلك مفخرا لهم . يقول أحدهم : أبحنا حيّهم قتلا وأسرا * عدى الشمطاء والطفل الصغير ! وكفى لشناعة حالتهم الاجتماعيّة ، وأد البنات « 1 » وقتل الأولاد مخافة الإملاق ، « 2 » وأشنع من الجميع : التعيّش على حساب بغاء الفتيات . « 3 » ففي مثل هذا المجتمع الذي يعيش الأسياد على حساب إكراه الفتيات ( الأرقّاء ) على البغاء وارتكاب الفحشاء ، جاء الإسلام ليكافح ، فمن أين يكافح ، وكيف يكافح ؟ جاء الإسلام ليردّ لهؤلاء البشر إنسانيّتهم المغتصبة منذ عهد سحيق ! جاء ليقول للسّادة عن الرقيق : أنتم وهم سواء بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . « 4 » وقال يوم الفتح
--> ( 1 ) التكوير 81 : 8 . ( 2 ) الأنعام 6 : 151 ؛ الإسراء 17 : 31 . ( 3 ) النور 24 : 33 . ( 4 ) وردت الآية بشأن نكاح الإماء في عرض نكاح : الحرائر . ( النساء 4 : 25 ) .